عبد الرحمن السهيلي
99
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ولكنهم وإن كانوا الملائكة ، ففي وصفهم بالطهارة مقروناً بذكر المس ما يقتضي ألا يمسه إلا طاهر اقتداء بالملائكة المطهرين ، فقد تعلق الحكم بصفة التطهير ، ولكنه حكم مندوب إليه ؛ وليس محمولاً على الفرض ، وكذلك ما كتب به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم : وألا يمس القرآن إلا طاهر ليس على الفرض ، وإن كان الفرض فيه أبين منه في الآية ؛ لأنه جاء بلفظ النهي عن مسه على غير طهارة ، ولكن في كتابه إلى هرقل بهذه الآية : « يأهْلَ الكتاب تعالوا إلى كلمة » آل عمران دليل على ما قلناه ، وقد ذهب داود وأبو ثور وطائفة ممن سلف ، منهم الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان إلى إباحة مس المصحف على غير طهارة ، واحتجوا بما ذكرنا من كتابه إلى هرقل ، وقالوا : حديث عمرو بن حزم مرسل ، فلم يروه حجة ، والدارقطني قد أسنده من طرق حسان ، أفواهاً : رواية أبي داود الطيالسي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه عن جده ، ومما يقوي أن المطهرين في الآية هم الملائكة ، أنه لم يقل : المتطهرون . المطهرون والمتطهرون : وإنما قال المطهرون ، وفرق ما بين المتطهر والمطهر : أن المتطهر من فعل الطهور ، وأدخل نفسه فيه كالمتفقه من يدخل نفسه في الفقه ، وكذلك المتفعل في أكثر الكلام ، وأنشد سيبويه : * وقيس عيلان ومن تقيّسا * فالآدميون متطهرون إذا تطهروا ، والملائكة مطهرون خلقةً ، والآدميات إذا تطهرن : متطهرات ، وفي التنزيل : « فإذا تَطَهَّرن فأْتوهن مِنْ حيث أمركم اللّه » البقرة والحور العين مطهرات ، وفي التنزيل : « لهم فيها أزواجٌ مُطَهَّرة » النساء وهذا فرق بين وقوة لتأويل مالك رحمه الله ، والقول عندي في الرسول عليه السلام أنه متطهر ومطهر ، أما متطهر ؛ فلأنه بشر آدمي يغتسل من الجنابة ، ويتوضأ من الحدث ، وأما مطهر ؛ فلأنه قد غسل باطنه ، وشق عن قلبه ، وملئ حكمة وإيماناً فهو مطهر ومتطهر ، واضمم هذا الفصل إلى ما تقدم في ذكر مولده من هذا المعنى ، فإنه تكملة والحمد لله . وفي تطهر عمر قبل أن يظهر الإسلام قوة لقول ابن القاسم : إن الكافر إذا تطهر قبل أن يظهر إسلامه ، ويشهد الشهادتين أنه مجزئ له ، وقد عاب قول ابن القاسم هذا كثير من الفقهاء ، وكذلك في خبر إسلام سعد بن معاذ على يدي مصعب بن عمير ، وقد سأله : كيف يصنع من يريد الدخول في هذا الدين ، فقال : يتطهر ، ثم يشهد بشهادة الحق ، ففعل ذلك هو وأسيد بن حضير ، وحديث إسلام عمر ، وإن كان من أحاديث السير ، فقد خرجه الدارقطني في سننه ، غير أنه خرج أيضاً من طريق أنس أن أخت عمر قالت له : إنك رجس ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقم فاغتسل أو توضأ ، فقام فتوضأ ، ثم أخذ الصحيفة وفيها سورة طه ، ففي هذه الرواية أنه كان وضوءاً ، ولم يكن اغتسالاً ، وفي رواية يونس : أن عمر حين قرأ في الصحيفة سورة طه انتهى منها إلى قوله : « لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بما تَسْعى » طه فقال : ما أطيب هذا الكلام وأحسنه ، وذكر هذا الحديث بطوله ، وفيه أن الصحيفة كان فيها مع سورة طه : « إذا الشمسُ كُوِّرَتْ » وأن عمر انتهى في قراءتها إلى قوله : « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ » . أقوال أخرى في إسلام عمر : فصل : وذكر ابن سنجر زيادة في إسلام عمر ، قال : حدثنا أبو المغيرة قال : نا صفوان بن عمرو ، قال : حدثني شريح بن عبيد ، قال : قال عمر بن الخطاب : خرجت أتعرض رسول الله